السيد محمد باقر الصدر

194

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

لم يكن يرى شيئاً إلّاوكان يرى اللَّه معه وقبله وبعده . حبّ الدنيا في الدرجة الثانية يصل إلى مستوى بحيث إنّ الإنسان لا يرى شيئاً إلّاويرى الدنيا فيه وقبله وبعده ومعه . حتى الأعمال الصالحة تتحوّل عنده وبمنظاره إلى دنيا ، تتحوّل عنده إلى متعة ، إلى مصلحة شخصية ، حتى الصلاة ، حتى الصيام ، حتى البحث ، حتى الدرس ، هذه الألوان كلّها تتحوّل إلى دنيا . لا يمكنه أن يرى شيئاً إلّامن خلال الدنيا ، إلّامن خلال مقدار ما يمكن لهذا العمل أن يعطيه ، يعطيه من حفنة مال أو من كومة جاه . لا يمكن أن يستمرّ معه إلّابضعة أيام معدودة . هذه هي الدرجة الثانية . وكل من الدرجتين مهلكة ، والدرجة الثانية أشدّ هلكة من الدرجة الأولى ، ولهذا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « حبّ الدنيا رأس كل خطيئة » « 1 » ، قال الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام : « الدنيا كماء البحر من ازداد شرباً من ماء البحر ازداد عطشاً » « 2 » . كلّما شرب أكثر فأكثر من ماء البحر أصبح أكثر عطشاً . لا تقل : فلآخذ هذه الحفنة من الدنيا ثم أنصرف عنها ، فلأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثم أنصرف إلى اللَّه . ليس الأمر كذلك ، فإنّ أيّ مقدار تحصل عليه من مال الدنيا ، من جاه الدنيا ، من مقامات هذه الدنيا الزائلة ، سوف يزداد بك العطش والنهم إلى المرتبة الأخرى : « الدنيا كماء البحر » ، « الدنيا رأس كل خطيئة » . رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : « من أصبح وأكبر همّه الدنيا فليس له من اللَّه شيء » « 3 » . هذا الكلام يعني قطع الصلة مع اللَّه ، يعني أنّ ولاءين لا يجتمعان في

--> ( 1 ) بحار الأنوار 51 : 258 ( 2 ) الكافي 2 : 143 ، الحديث 24 . مع اختلاف يسير ( 3 ) بحار الأنوار 73 : 104 باختلاف